ابراهيم بن عمر البقاعي

27

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

جميع أهل الوبر والمدر فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ عن موسى إلى تهيئة ما يريد من الكيد بعد توليه عن الانقياد لأمر اللّه فَجَمَعَ كَيْدَهُ أي مكره وحيلته وخداعه ، الذي دبره على موسى بجمع من يحصل بهم الكيد ، وهم السحرة ، حشرهم من كل أوب ، وكان أهل مصر أسحر أهل الأرض وأكثرهم ساحرا ، وكانوا في ذلك الزمان أشد اعتناء بالسحر وأمهر ما كانوا وأكثر ثُمَّ أَتى * للميعاد الذي وقع القرار عليه بمن حشره من السحرة والجنود ومن تبعهم من الناس ، مع توفر الدواعي على الإتيان للعيد ، والنظر إلى تلك المغالبة التي لم يكن مثلها . [ سورة طه ( 20 ) : الآيات 61 إلى 67 ] قالَ لَهُمْ مُوسى وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذابٍ وَقَدْ خابَ مَنِ افْتَرى ( 61 ) فَتَنازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوى ( 62 ) قالُوا إِنْ هذانِ لَساحِرانِ يُرِيدانِ أَنْ يُخْرِجاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِما وَيَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلى ( 63 ) فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلى ( 64 ) قالُوا يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقى ( 65 ) قالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذا حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى ( 66 ) فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى ( 67 ) ولما تشوف السامع إلى ما كان من موسى عليه السّلام عند ذلك ، استأنف سبحانه الخبر عنه بقوله : قالَ لَهُمْ أي لأهل الكيد وهم السحرة وغيرهم مُوسى حين رأى اجتماعهم ناصحا لهم : وَيْلَكُمْ يا أيها الناس الذين خلقهم اللّه لعبادته لا تَفْتَرُوا أي لا تتعمدوا أن تصنعوا استعلاء عَلَى اللَّهِ كَذِباً بجعلكم آياته العظام الثابتة سحرا لا حقيقة له ، وادعائكم أن ما تخيلون به حق وليس بخيال ، وإشراككم به ؛ وسبب عنه قوله : فَيُسْحِتَكُمْ أي يهلككم ؛ قال الرازي . وأصله الاستئصال بِعَذابٍ أي عظيم تظهر به خيبتكم وَقَدْ خابَ كل مَنِ افْتَرى * أي تعمد كذبا على اللّه أو على غيره فَتَنازَعُوا أي تجاذب السحرة أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ لما سمعوا هذا الكلام ، علما منهم بأنه لا يقدر أن يواجه فرعون بمثله في جميع جنوده وأتباعه لم يسلم منه إلا من اللّه معه وَأَسَرُّوا النَّجْوى * أي كلامهم الذي تناجوا به وبالغوا في إخفائه ، فإن النجوى الإسرار ، لئلا يظهر فرعون وأتباعه على عوارهم في اختلافهم الذي اقتضاه لفظ التنازع ، فكأنه قيل : ما قالوا حين انتهى تنازعهم ؟ فقيل : قالُوا أي السحرة بعد النظر وإجالة الرأي ما خيلهم به فرعون تلقنا منه وتقربا إليه بما ينفر الناس عن موسى وهارون عليهما السّلام ويثبطهم عن اتباعهما وإن غلبا ، لأنه لا ينكر غلبة ساحر على ساحر آخر : إِنْ هذانِ أي موسى وهارون وقرىء : هذان - بالألف ، على لغة من يجعل ألف المثنى